مقال رأي| الين في عين الاختبار: هل كشفت اليابان ضعف النظام أم طريقة تأجيل أزماته؟

نشر
آخر تحديث
مصدر الصورة- AFP

استمع للمقال
Play

أحمد عزام

رئيس الأبحاث في مجموعة إكويتي

في كل مرة تلمس الأسواق أعصاب النظام المالي العالمي، يولد سيناريو القيامة قبل أن تجفّ أرقام التداول. هذه المرة جاء الدور على الين. العملة اليابانية هبطت إلى أضعف مستوياتها منذ أربعة عقود، طوكيو تدخلت بعشرات المليارات، وواشنطن شاركت في أول عملية منسقة مع اليابان منذ عام 2011. خلال ساعات، امتلأت الأسواق بثلاث روايات كبيرة: اليابان تقترب من النهاية، الفيدرالي يساند سوق السندات الأميركية من خلف الستار، والعملات الورقية تدخل فصلها الأخير فيما يقف الذهب وحده على الجانب الصحيح من التاريخ.

القصة الفعلية أقل درامية، وأكثر خطورة في الوقت نفسه. الين لم يعلن إفلاس اليابان. والفيدرالي لم يطبع أموالًا لإنقاذ طوكيو. والذهب لم يحصل فجأة على شهادة وفاة النظام النقدي العالمي. ما كشفته هذه الجولة أعمق من ذلك: العالم بنى، عبر عقود طويلة، شبكة هائلة من أدوات الطوارئ كي يمنع أزمات السيولة من التحول إلى حرائق مفتوحة. هذه الشبكة تنجح غالبًا في إطفاء اللحظة، لكنها تجعل الثمن يتراكم بعيدًا عن العنوان العاجل.

تدخل ضخم... ورواية أكبر من الوقائع

وصل الين إلى نحو 164 مقابل الدولار، وهو مستوى لم تعرفه اليابان منذ أربعين عامًا. بالنسبة إلى طوكيو، لم يكن ذلك مجرد ضعف في سعر الصرف، وإنما ضربة مباشرة للقوة الشرائية، وتهديدًا سياسيًّا مع ارتفاع تكلفة الغذاء والطاقة، ورسالة قاسية إلى الأسر اليابانية بأن سنوات المال الرخيص لم تعد مجانية.

الرد كان كبيرًا. أنفقت اليابان نحو 8.45 تريليونات ين في جلسة واحدة، أي ما بين 53 و59 مليار دولار، واقتربت عمليات الأسبوع كله من 75 مليارًا. الولايات المتحدة شاركت بمبلغ أقل بكثير، يُقدّر بين 5 و10 مليارات دولار. هذه أرقام ثقيلة، لكنها لا تكفي وحدها لفهم ما حدث.

التفصيل الأهم أن الخزانة الأميركية اشترت الين باستخدام اليورو، ولم تكن تبيع الدولار أو تعبث بسوق سندات الخزانة. بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك تولى التنفيذ بوصفه الذراع التشغيلية المعتادة للخزانة في عمليات الصرف الأجنبي. هنا تسقط أول مبالغة: العملية كانت دعمًا لعملة حليفة في لحظة ضغط، ولم تكن خطة سرية لإنقاذ اليابان أو لتسييل الدين الأميركي.

الفارق مهم. ضعف العملة سعر نسبي. الإفلاس فشل في السداد. اليابان تعاني من الأول، ولا تقف أمام الثاني.

اليابان ليست مفلسة... لكنها تدفع ضريبة الين الضعيف

الحديث عن الدين الياباني لا يحتاج إلى تهويل كي يكون مقلقًا. الدين العام يقترب من 250% من الناتج المحلي، وهي نسبة تكفي وحدها لفتح أي نقاش جاد حول حدود النموذج المالي الياباني. بلد بهذا الحجم من الالتزامات، وبعملة تتراجع إلى قاع أربعة عقود، لا يعيش وضعًا طبيعيًّا.

غير أن تحويل هذا المشهد إلى إعلان إفلاس وشيك يخلط بين أزمتين مختلفتين. اليابان تقترض بالين، وتصدر العملة التي تُسدد بها ديونها، ويمسك النظام المالي المحلي بجزء كبير من الالتزامات. كما تمتلك البلاد فائضًا في الحساب الجاري، وتحتفظ بأكبر مركز دائن صافٍ تجاه بقية العالم. لذلك يصعب إجبار دولة كهذه على التخلف عن سداد دين مقوم بعملتها المحلية بالطريقة التي قد تحدث في اقتصاد ناشئ غارق في ديون بالدولار.

الخطر الحقيقي موجود في مكان آخر: ليس في قدرة الدولة على دفع الين، وإنما في قيمة الين نفسه. تستطيع الحكومة دفع تريليون ين بعد سنوات، لكن السؤال الذي يهم المواطن الياباني هو: ماذا سيشتري هذا التريليون؟ عندما تهبط العملة، ترتفع فاتورة الواردات، ويخسر المدخر جزءًا من قوته الشرائية، وتتحول السياسة النقدية الرخيصة إلى ضريبة صامتة على الأسر.

هذا هو جوهر الأزمة اليابانية. إنها أزمة استنزاف بطيء، لا مشهد انهيار فوري. والمشكلة في خطاب النهاية أنه يأخذ مرضًا مزمنًا ويعرضه كأنه نوبة قلبية ستحدث قبل افتتاح السوق.

واشنطن تخاف بيع السندات... لذلك تبني الممر قبل الحريق

الرواية الثانية أكثر أهمية لأنها تلمس عصبًا حقيقيًّا في النظام الأميركي. اليابان من أكبر حائزي سندات الخزانة الأميركية. وعندما تحتاج طوكيو إلى دولارات لدعم الين، يظهر سؤال حساس في واشنطن: ماذا لو باعت اليابان سنداتها على نطاق واسع؟ عند عوائد تقارب 4.6% على سندات العشر سنوات، لا تحتاج السوق الأميركية إلى موجة بيع أجنبية تضيف ضغطًا جديدًا إلى كلفة التمويل.



هنا يظهر دور تسهيل FIMA . فكرته بسيطة: البنك المركزي الأجنبي يضع سندات الخزانة التي يملكها كضمان لدى الاحتياطي الفيدرالي، ويحصل مقابلها على دولارات مؤقتة. يحصل على السيولة من دون أن يبيع السندات في السوق. الغاية ليست رفاهية مالية، وإنما منع البيع القسري الذي قد يرفع العوائد ويؤذي الطرفين معًا.

هذا ليس خط مبادلة عملات بالمعنى المتداول. FIMA هي عملية إعادة شراء مضمونة بالكامل بأصول، وسعرها أعلى من السوق كي تبقى أداة طوارئ، ويصل سقفها الحالي إلى 60 مليار دولار لكل طرف، وأي رفع لهذا السقف يحتاج إلى موافقة لجنة السوق المفتوحة. كما أن اليابان تضع أصلًا نحو 350 مليار دولار في مجمع إعادة الشراء الأجنبي لدى الفيدرالي. ما نراه هنا هو بنية تحتية للأسواق، لا إنقاذًا سريًّا فوق الطاولة وتحتها.

الأهم أن هذه الشبكات ليست جديدة. الولايات المتحدة تبني قنوات لتوفير الدولار للبنوك المركزية منذ عام 1962. المنطق بقي كما هو: الدولار ليس عملة أميركا وحدها، وإنما مصدر السيولة الأساسي في الاقتصاد العالمي. وعندما تنقص الدولارات خارج الولايات المتحدة، تبحث المؤسسات الأجنبية عنها عبر بيع ما تملكه. وغالبًا ما يكون ما تملكه سندات خزانة أميركية. أزمة سيولة في الخارج تستطيع العودة سريعًا إلى قلب السوق الأميركية.

لذلك، حماية تدفق الدولار عالميًّا تحولت إلى جزء من حماية سوق الدين الأميركي نفسه.

شبكات الأمان تكسب الوقت... وتؤجل الحساب

وجود هذه الأدوات لا يعني أن النظام ينهار. لكنه يكشف ما هو أكثر إرباكًا: العالم اعتاد علاج كل اضطراب بطبقة جديدة من الحماية. خطوط مبادلة، تسهيلات إعادة شراء، برامج طوارئ، ضمانات سيولة، مشتريات أصول. الأسماء تختلف، والفكرة واحدة تقريبًا: منع أزمة تمويل من التحول إلى بيع قسري.

هذه الشبكة تجعل النظام أكثر صلابة في لحظة الصدمة، لكنها تخفض أيضًا الشعور بكلفة الخطر. المستثمر الذي يعرف أن البنك المركزي سيقف في الطريق بينه وبين أزمة سيولة يصبح أكثر استعدادًا للرافعة المالية. والحكومة التي تعرف أن السوق لن تُترك تمامًا لقسوتها قد تؤجل إصلاح الدين سنة بعد أخرى. ومع كل أزمة، يصبح الخط بين السياسة المالية والسياسة النقدية أرفع مما كان.

هذه هي المخاطرة التي تستحق القلق. ليست أن اليابان ستبيع سنداتها غدًا وتُسقط سوق الخزانة الأميركية في ساعات. الخطر الأبطأ أن تصبح الأسواق معتادة على وجود البنك المركزي في الخلفية دائمًا، وأن تتحول أدوات الطوارئ من استثناء إلى جزء طبيعي من عمل النظام.

عندما يصبح الدعم المؤقت عادة، تبدأ المشكلة الحقيقية.

الذهب يملك حجة قوية... لكن الزمن لا يتحرك بهذه السرعة

هنا يدخل الذهب إلى القصة. العجز المالي مزمن في الاقتصادات الكبرى، الديون تتضخم، البنوك المركزية توسع شبكات الحماية، والقوة الشرائية للعملات تتآكل عبر العقود. هذه بيئة تمنح الذهب مكانًا منطقيًّا في المحافظ، لا كزينة استثمارية، وإنما كتأمين ضد تدهور الثقة في النقود والسياسات المالية.



لكن تحويل تدخل الين إلى إعلان فوري عن نهاية العملات الورقية يختصر الزمن بطريقة خطرة. الذهب نفسه هبط بنحو 70% بين قمته في 1980 وقاعه قرب عام 2000. المستثمر الذي امتلك الحجة الطويلة الصحيحة، ودخل في التوقيت الخطأ، احتاج إلى عقدين تقريبًا كي يستعيد مستواه الاسمي.

هناك مشكلة أخرى في الرسوم التي تقيس كل شيء بالذهب. عندما نقسم مؤشر الأسهم على سعر الذهب، فنحن لا نكتشف الحقيقة المطلقة للثروة. نحن نقيس أداء أصل أمام أصل آخر في فترة محددة. يمكن فعل الشيء نفسه مع العقارات أو النفط أو أي سلعة أخرى والخروج بقصة مختلفة. والأهم أن الذهب لا يدفع توزيعات ولا كوبونات ولا إيجارات. الأسهم والسندات والعقارات أصول منتجة، والذهب تأمين لا آلة دخل.

لهذا يملك الذهب مكانًا واضحًا كتحوط من التضخم والخلل المالي طويل الأجل. لكنه يصبح خطرًا عندما يتحول من أداة حماية إلى عقيدة تستبعد كل أصل.

الين قد يدعم الأسواق بدل أن يكسرها

المفارقة أن تدخل الين، رغم كل الضجيج الكارثي حوله، قد يدعم الأصول الخطرة في المدى القصير. عندما تستخدم اليابان تسهيلات إعادة الشراء للحصول على الدولار، يتوسع حجم ميزانية الفيدرالي مؤقتًا طوال مدة العملية. هذه سيولة مضمونة ومحدودة الأجل، لكنها سيولة موجودة في النظام.

الأثر الأهم يأتي من تقليل خطر الفوضى. في أغسطس 2024، أدى تفكك صفقات الكاري تريد الممولة بالين إلى موجة خفض مخاطر عالمية خلال أيام. أي هبوط غير منضبط جديد في الين كان يستطيع فتح الباب أمام تكرار ذلك المشهد. التدخل وضع خطًا تحت العملة، أو على الأقل حاول ذلك، وخفف احتمال خروج المراكز الممولة بالين عن السيطرة في الوقت الراهن.

الين الضعيف والمستقر يبقي صفقات الكاري تريد جذابة. المستثمر يقترض بعملة رخيصة ويشتري أصولًا أعلى عائدًا. طالما بقيت التقلبات تحت السيطرة، يميل هذا المناخ إلى دعم الأسهم والائتمان. هذه نقطة تغيب عن خطاب الانهيار: الحدث الذي يراه البعض دليلًا على تفكك النظام قد يمنح الأسواق جرعة سيولة واستقرار مؤقتين.

حتى العملة اليابانية نفسها قد تحمل مفاجأة. السوق دخلت الأزمة بمراكز بيع كبيرة على الين. وفي الوقت ذاته، تظهر بعض المؤشرات الداخلية في اليابان صورة أقل ضعفًا من سعر الصرف وحده: الأجور تنمو بأكثر من 5% للعام الثالث، والائتمان بلغ أعلى وتيرة نمو في ثلاثة عقود. إذا تغيرت نبرة بنك اليابان بجدية، فقد تتحول مراكز البيع المزدحمة إلى تفكير صعود حاد في الين.

الإنذار حقيقي... وموعد الانهيار مؤجل

قصة الين أكبر من تدخل في سوق الصرف، وأصغر من نهاية النظام النقدي العالمي. الدين الياباني مشكلة. والعجز الأميركي مشكلة. واعتماد العالم على ميزانيات البنوك المركزية لتوفير السيولة مشكلة أكبر مما تبدو عليه في الأيام الهادئة. والذهب يملك حجة متزايدة للبقاء في المحافظ.

لكن هذه الاتجاهات لا تتحرك مثل عناوين مواقع التواصل. إنها تعمل ببطء، وتتراكم عبر سنوات، وتضغط على النظام من الداخل قبل أن تظهر في لحظة واحدة. الخطأ المكلف في الأسواق أن نأخذ أزمة تحتاج إلى عقد كي تنضج، ثم نتعامل معها كصفقة يجب تنفيذها قبل جرس الافتتاح.

الين أطلق إنذارًا جديدًا داخل النظام المالي العالمي. لم يحدد موعد الانهيار. والفارق بين الجملتين هو الفارق بين المستثمر الذي يقرأ الخطر، والمضارب الذي يطارد الذعر.


المقالات المنشورة عبر CNBC عربية تعبر عن رأي أصحابها.

تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي

الأكثر تداولاً

    أخبار ذات صلة

    الأكثر قراءة

    الأكثر تداولاً

      الأكثر قراءة